بن عيسى باطاهر
125
المقابلة في القرآن الكريم
وقد ردّ القرآن الكريم ردا مقنعا على منكري البعث والجزاء ، وبسط الأدلة والبراهين ما يكفي لإقامة الحجة على كل مكابر ومعاند « 1 » وردّ على كل الأسئلة والشبه التي أثارها المنكرون ، وكانت غايته هي مزج هذه العقيدة بالعقول والقلوب . ومن جملة الأسئلة التي أثارها بعض المنكرين هي لما ذا لا يجعل اللّه الجزاء للإنسان في هذه الحياة الدنيا حتى يكون أثره ظاهرا في الحياة أمام الناس تتمثل فيه الموعظة والعبرة ، ويحصل به النفع لما يظهر من جزاء أمام العيان ، وقد أجاب اللّه سبحانه عن هذا السؤال بقوله : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً [ فاطر : 45 ] ، وقال أيضا : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ يونس : 11 ] . لقد شاءت إرادة اللّه أن يكون الجزاء أخرويا في الأجل المسمى الذي وعد اللّه به عباده ، ولا يخلف اللّه الميعاد ، وأن يكون هناك حساب وعقاب ، وجنّة ونار ، ولا قيمة لكل تلك الأصوات المنادية بتعجيل الجزاء في هذه الدنيا . « إن الإنسان - وهكذا شاء اللّه له - ليس مخلوقا لهذه الدنيا وحدها وليست حياته كحياة الحيوان تنتهي على هذه الأرض بنهاية عمره فيها ، وإنما الإنسان في منزلة هي عند اللّه أكرم وأشرف مما على هذه الأرض من كائنات ، إنه خليفة اللّه على هذه الأرض ، فإذا أدى مدة خلافته فيها انتقل إلى عالم آخر غير هذا العالم ، ونزل دارا أخرى غير هذه الدار هي أخلد وأبقى . وليس الموت الذي ينزل بالناس إلا وقفة على طريق الحياة الأبدية واستعدادا لدخول عالم جديد غير هذا العالم الذي كانوا فيه . . وإذا كانت هناك
--> ( 1 ) زاهر عوض الألمعي - مناهج الجدل في القرآن ص 314 وما بعدها .